بعد عام ونصف من العمل البحثي والقانوني المتواصل، أصبحت دراسة «حالة العدالة البيئية في الأردن وأثرها القانوني والاقتصادي والاجتماعي على الأفراد والمجتمعات» متاحة، بالتعاون والدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت – المركز الإقليمي للكفاءة في قضايا الطاقة والعدالة المناخية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في إطار رؤية بحثية تبناها المركز الوطني للعدالة البيئية لقراءة واقع العدالة البيئية في الأردن من خلال دراسة الأحكام القضائية، وتحويل البيانات القضائية من وقائع متفرقة إلى معرفة قابلة للتحليل والمقارنة والبناء عليها.
وتغطي الدراسة الفترة الممتدة من 2018 إلى 2022، وهي الفترة الاحقة لصدور قانون حماية البيئية لسنة 2017 ودخوله حيز النفاذ، وتحلل 9,734 حكماً قضائياً، و13 تشريع ذات ارتباط مباشر بالقضايا البيئية بهدف تجاوز مجرد حصر القضايا كمياً إلى قراءة الأنماط التي تكشفها الأحكام: متى ظهرت القضايا؟ وأين تركزت؟ وما القوانين والمواد الأكثر حضوراً؟ وكيف جرى تكييف الوقائع؟ وما طبيعة الجزاءات ومآلات الأحكام؟ وما الذي تكشفه هذه النتائج عن واقع العدالة البيئية وآثارها القانونية والاقتصادية والاجتماعية على الأفراد والمجتمعات؟
وتنطلق الدراسة من منهج بحثي تحليلي نابع من رؤية ورسالة المركز ، والتي لم تفترض موقفاً مسبقاً من التشريعات أو القضاء، وإنما التعامل مع الحكم القضائي باعتباره مصدرًا للمعرفة والبيانات، يتيح قراءة العلاقة بين الواقعة والنص والتكييف والإثبات والجزاء، والانتقال من النص القانوني في صورته المجردة إلى حضوره في الواقع القضائي.
9,734 حكماً ترسم خريطة التقاضي البيئي خلال خمس سنوات
أظهرت الدراسة تفاوتاً واضحاً في حجم التقاضي البيئي عبر السنوات، فقد سجل عام 2018 نحو 1,777 حكماً، قبل أن ينخفض العدد إلى 935 حكماً في 2020، وهو أدنى مستوى خلال فترة الدراسة، ثم ارتفع إلى 1,256 حكماً في 2021، قبل أن يقفز في عام 2022 إلى 4,552 حكماً.
وتعني هذه القفزة أن نحو نصف الأحكام التي رصدتها الدراسة خلال خمس سنوات صدرت في عام واحد فقط، هو عام 2022. وتقرأ الدراسة هذا التحول في سياق عودة النشاط بعد جائحة كورونا، ودخول القانون الإطاري لإدارة النفايات رقم (16) لسنة 2020 حيز النفاذ، إلى جانب التغير في النشاط الرقابي والإحالات.
وعلى مستوى الأشهر، سجل شهر كانون الثاني 2,527 حكماً، مقابل 430 حكماً فقط في شهرأيار، أي أن عدد الأحكام في شهركانون الثاني كان نحو ستة أضعاف عددها في شهر أيار، ويكشف هذا التفاوت عن اختلاف واضح في وتيرة التقاضي خلال أشهر السنة، ويفتح مجالاً لقراءة العلاقة بين النشاط الرقابي ومسار الإحالة والوصول إلى القضاء.
محافظة إربد تتصدر مركز ثقل التقاضي البيئي بواقع 32% من مجموع الاحكام المرصودة
وعلى الخريطة الجغرافية، تصدرت محافظة إربد مركز ثقل التقاضي البيئي خلال فترة الدراسة، بتسجيلها 3,139 حكماً، أي 32% من إجمالي الأحكام، تلتها عمّان بـ2,464 حكماً، ثم الزرقاء بـ1,442 حكماً، وجرش بـ1,190 حكماً.
واستحوذت هذه المحافظات الأربع مجتمعة على أكثر من 84% من إجمالي الأحكام، مقابل 12 حكماً فقط في محافظة معان.
ولا تتعامل الدراسة مع هذا التوزيع باعتباره مقياساً مباشراً لحجم الضرر البيئي في كل محافظة، وإنما تقرأه في ضوء خريطة التقاضي والوصول إلى العدالة، والكثافة السكانية، والنشاط الاقتصادي، والنشاط الرقابي، ومسارات الإحالة.
97.7% من الأحكام القضائية أمام محاكم الصلح
وعند الانتقال من الخريطة الجغرافية إلى خريطة المحاكم، تظهر نتيجة لافتة، إذ صدر 9,514 حكماً، أي 97.7% من إجمالي الأحكام، عن محاكم الصلح، مقابل 108 أحكام أمام محاكم البداية و112 حكماً من محكمة أمانة عمان.
وتشير هذه النسبة إلى أن التقاضي البيئي المرصود في الدراسة يتركز بصورة شبه كاملة أمام محاكم الصلح، بما يعكس غلبة الطابع الجنحوي والمخالفات التي تقع ضمن اختصاصها.
خمسة قوانين تستحوذ على أكثر من 96% من الأحكام
تركّزت الأحكام القضائية البيئية بصورة واضحة في خمسة تشريعات رئيسية، استحوذت مجتمعة على أكثر من 96% من إجمالي الأحكام محل الدراسة. وجاء في مقدمتها قانون حماية البيئة بـ 5,451 حكماً، تلاه قانون الزراعة بـ 1,704 أحكام، ثم قانون الصحة العامة بـ 1,193 حكماً، وقانون العقوبات بـ 566 حكماً، والقانون الإطاري لإدارة النفايات بـ 519 حكماً. ويعكس هذا التركّز أن الجزء الأكبر من التقاضي البيئي خلال فترة الدراسة دار حول مجموعة محددة من الأطر التشريعية التي شكّلت الأساس القانوني لمعالجة الأفعال ذات الصلة بالبيئة والموارد الطبيعية والصحة العامة والنفايات.
المادة (8): النواة التجريمية الأساسية في التقاضي البيئي
برزت المادة (8) من قانون حماية البيئة، بدلالة المادة (19) من القانون ذاته، في 2,703 أحكام، بما نسبته 27.8% من إجمالي الأحكام محل الدراسة، لتكشف عن ثنائية تشريعية شكّلت محوراً رئيسياً في التطبيق القضائي البيئي؛ إذ تمثل المادة (8) النواة الأساسية للتجريم والحظر من خلال تحديد الأفعال المحظورة المتعلقة بالمخلفات والأنقاض والفضلات، من جمعها أو نقلها أو إلقائها أو فرزها أو معالجتها أو حرقها أو نبشها أو التخلص منها، خلافاً للشروط والإجراءات والمواقع المعتمدة من الوزارة، في حين برزت المادة (19) بوصفها العمود الفقري للإسناد القضائي والعقابي لهذه الأفعال في الأحكام محل الدراسة.
ثماني مواد تستحوذ على اكثر من 54% من التقاضي البيئي
يكشف تحليل الأحكام عن تركّز أكثر من نصف التقاضي البيئي حول ثماني مواد قانونية، ارتبط بها 5,326 حكماً، بما نسبته 54.7% من إجمالي الأحكام. وتوزعت هذه المواد على عدد من التشريعات، إذ جاءت المادة (19) من قانون حماية البيئة في مقدمتها بـ 2,703 أحكام، تلتها المادة (63) من قانون الصحة العامة بـ 681 حكماً، ثم المادة (31) من قانون الزراعة بـ 666 حكماً، والمادة (456) من قانون العقوبات بـ 557 حكماً، والمادة (28) من القانون الإطاري لإدارة النفايات بـ 519 حكماً، والمادة (66) من نظام حماية البيئة في منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بـ 87 حكماً، والمادة (30) من قانون سلطة المياه بـ 70 حكماً، والمادة (32) من قانون المصادر الطبيعية بـ 43 حكماً.
ويُظهر هذا التركز أن أكثر من نصف الأحكام البيئية خلال فترة الدراسة ارتبط بهذه المجموعة المحددة من النصوص، بما يبرز دورها في تحديد أساس المسؤولية والوصف القانوني والعقوبة في الدعاوى البيئية، مع تفاوت واضح في مستوى حضور كل مادة داخل الخريطة القضائية البيئية.
المادة (27) من قانون حماية البيئة : حضور لافت للنص الاحتياطي
سجلت المادة (27) من قانون حماية البيئة حضوراً لافتاً في الأحكام، إذ ارتبطت بـ 747 حكماً، أي 7.7% من إجمالي الأحكام. ومن بين هذه الأحكام، استُخدمت المادة بصورة منفردة في 57 حكماً فقط، بينما ارتبطت في نحو 92.4% من الحالات بنصوص ومواد أخرى.
ويكتسب هذا الحضور أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المادة باعتبارها نصاً احتياطياً، الأمر الذي يفتح مجالاً لقراءة كيفية تحديد حدود اللجوء إلى النص الاحتياطي مقارنة بالنصوص الأكثر تخصيصاً، وكيفية بناء الوصف القانوني عندما تتعدد النصوص الممكن تطبيقها على الواقعة ذاتها.
أطراف الدعوى: من يحرّك التقاضي البيئي وعلى من تقع المسؤولية؟
تكشف بيانات الدراسة عن تفاوت واضح بين أطراف الدعاوى البيئية؛ فمن جهة، يظهر الدور المركزي للجهات الرسمية وأفراد الضابطة العدلية في تحريك إجراءات التقاضي، ومن جهة أخرى، تتركز المسؤولية الجزائية في معظم الأحكام بحق الأشخاص الطبيعيين. وتتيح هذه النتائج قراءة مسار العدالة البيئية من زاويتين متكاملتين: من يبدأ إجراءات الحماية القانونية، ومن يتحمل تبعات المخالفة أمام القضاء.
99.3% من الدعاوى حركتها الجهات الرسمية وأفراد الضابطة العدلية
بلغ عدد الأحكام التي كان فيها المشتكي من الجهات الرسمية وأفراد الضابطة العدلية 9,668 حكماً، بما نسبته 99.3% من إجمالي الأحكام، في حين لم يتجاوز عدد الأحكام التي كان فيها المشتكي شخصاً طبيعياً 66 حكماً، بنسبة 0.68%.
وتكشف هذه النسبة عن أن التقاضي البيئي في العينة المدروسة كان في الغالب نتيجة لإجراءات الضبط والإحالة التي تباشرها الجهات الرسمية وأفراد الضابطة العدلية، وليس نتيجة مباشرة لمبادرات الأفراد في تقديم الشكاوى. ويثير ذلك، في إطار الدراسة، تساؤلات بحثية حول الوصول المباشر للأفراد إلى العدالة البيئية ودورهم في تحريك الدعاوى المرتبطة بالاعتداء على البيئة والموارد المشتركة.
94.2% من الأحكام صدرت بحق أشخاص طبيعيين
في المقابل، أظهرت البيانات أن 9,170 حكماً، أي 94.2% من إجمالي الأحكام، صدرت بحق أشخاص طبيعيين، مقابل 564 حكماً، بنسبة 5.8%، بحق أشخاص اعتباريين.
وتشير هذه النتيجة إلى أن المسؤولية التي وصلت إلى القضاء البيئي خلال فترة الدراسة انصبت بصورة أساسية على الأفراد، بينما كان حضور الأشخاص الاعتباريين، بما في ذلك الشركات والجهات ذات الشخصية الاعتبارية، أقل بكثير. ولا تعني هذه النتيجة بالضرورة غياب الأفعال البيئية المرتبطة بالأشخاص الاعتباريين، وإنما تفتح مجالاً للبحث في مدى حضور المسؤولية القانونية للكيانات الاعتبارية في منظومة التقاضي البيئي وآليات إسناد المسؤولية إليها.
الغرامة تتصدر الجزاءات والغرامات المرتفعة حضورها محدود
أظهرت الدراسة أن الغرامة المالية كانت الجزاء الأكثر حضوراً، إذ سجلت 6,762 حكماً بالغرامة، بما نسبته 69.5% من إجمالي الأحكام.
وتركزت الغرامات بصورة أساسية بين 500 و999 ديناراً، بواقع 4,452 حكماً، في حين كان حضور الغرامات المرتفعة محدوداً جداً، إذ سجلت الدراسة 6 أحكام فقط ضمن نطاق 10,000–19,999 ديناراً، وحكماً واحداً بغرامة مقدارها 50 ألف دينار.
أما الأحكام ذات مدد الحبس المفصلة فبلغت 2,178 حكماً، كان أبرزها 876 حكماً بثلاثة أشهر، و410 أحكام بستة أشهر، و316 حكماً بأربعة أشهر.
وتضع هذه النتائج العلاقة بين الجزاء وطبيعة المخالفة وحجم الضرر البيئي ضمن المسائل التي تستحق مزيداً من البحث، ولا سيما من زاوية الردع والتناسب ومنع تكرار المخالفة.
التخفيف مقابل التشديد: فارق يقارب 100 إلى 1
وفي باب التخفيف والتشديد، سجلت الدراسة 4,260 حكماً بالتخفيف مقابل 42 حكماً فقط بالتشديد، أي بفارق يقارب 100 حكم مخفف مقابل حكم واحد مشدد. وفي عام 2022 وحده، سجلت الدراسة 2,575 حكماً مخففاً.
وتتعامل الدراسة مع هذه النتيجة بوصفها مؤشراً بحثياً يستحق القراءة في ضوء نوع المخالفة والردع الخاص والعام ، والنص القانوني المطبق، والظروف المرتبطة بكل قضية، وخصوصية المخالفات والجرائم البيئية
794 حكماً انتهت بالبراءة أو العفو أو الخدمة المجتمعية
كما انتهى 794 حكماً، أي 8.2% من إجمالي القاعدة، إلى البراءة أو العفو العام أو الخدمة المجتمعية.
وتصدرت محافظة إربد هذه الأحكام بواقع 436 حكماً (54.9%)، تلتها عمّان بـ173 حكماً (21.8%)، ثم الزرقاء بـ78 حكماً (9.8%).
وتشير هذه النتيجة إلى أهمية مرحلة ما قبل المحاكمة، ولا سيما جمع الأدلة وتوثيق الضبوط، إلى جانب أهمية متابعة حضور البدائل العقابية، ومنها الخدمة المجتمعية، متى توافرت شروطها القانونية.
محافظة العقبة تكشف حالة مختلفة في التطبيق القضائي
وفي القراءة الخاصة بمنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، رصدت الدراسة 82 حكماً استندت إلى قانون المنطقة والنظام البيئي الخاص بها، وكان عام 2020 الأكثر حضوراً، إذ استحوذ وحده على 46.3% من مجموع الأحكام المرصودة في العقبة.
كما أظهرت الأحكام أن عالبية الجزاءات اتجهت إلى غرامة مقدارها 100 دينار، مع وجود حالات محدودة عكست تدرجاً مختلفاً في الجزاءات
واللافت أن عام 2020 وحده استحوذ على 46.3% من مجموع أحكام العقبة، في وقت انخفضت فيه نسبة التقاضي في باقي المحافظات خلال العام نفسه في سياق جائحة كورونا.
وتقدم هذه الحالات مادة مهمة لدراسة العلاقة بين جسامة الفعل، ودقة التكييف، والفقرة القانونية المطبقة، والجزاء المترتب عليها.
83 حكماً تكشف تداخلاً بين قانون النفايات وقانون حماية البيئة
وفي تحليل التكييف القانوني، رصدت الدراسة حالات من التداخل بين النصوص، ومن أبرزها العلاقة بين المادة (28/ب) من القانون الإطاري لإدارة النفايات والمادة (8) بدلالة (19/ج) من قانون حماية البيئة.
فمن أصل 519 حكماً استندت إلى القانون الإطاري لإدارة النفايات، جرى في 83 حكماً، أي نحو 16% منها، تعديل الوصف الجرمي باتجاه قانون حماية البيئة.
وتتعامل الدراسة مع هذه الحالات باعتبارها مؤشرات بحثية على أثر تعدد النصوص في التكييف وتحديد النص المنطبق، دون تحويلها إلى حكم عام على سلامة الأحكام القضائية
الأثر القانوني والاقتصادي والاجتماعي للدراسة
لا تتوقف قيمة الدراسة عند الكشف عن خريطة التقاضي البيئي، وإنما تتجاوز ذلك إلى بيان كيف تنعكس العدالة البيئية على القانون والاقتصاد والمجتمع.
الأثر القانوني: من النص إلى التطبيق
على المستوى القانوني، تكشف الدراسة أن وجود منظومة تشريعية واسعة لا يعني بالضرورة حضور جميع نصوصها بالدرجة نفسها في التطبيق القضائي. فقد تركز أكثر من 96% من الأحكام في خمسة قوانين، فيما شكلت ثماني مواد فقط 54.7% من إجمالي الأحكام.
وتكشف هذه الأرقام أهمية الانتقال من دراسة النصوص في صورتها المجردة إلى دراسة كيفية تطبيقها وتكييف الوقائع بموجبها.. وبذلك توفر الدراسة خريطة للتطبيق القضائي للتشريعات البيئية، يمكن البناء عليها في الدراسات القانونية اللاحقة وفي تطوير التشريع والممارسة.
الأثر الاقتصادي: حماية الموارد تعني حماية الاقتصاد
أما اقتصادياً، فتضع الدراسة العدالة البيئية في سياق حماية الموارد والقطاعات التي تعتمد عليها، وفي مقدمتها المياه والزراعة والغابات والسياحة والصناعة والأمن الغذائي والمائي.
فالضرر البيئي لا يقتصر على المخالفة أو قيمة الغرامة المحكوم بها، وإنما يمكن أن يتحول إلى تكلفة معالجة، أو خسارة إنتاج، أو استنزاف لمورد طبيعي، أو تأثير على نشاط اقتصادي، أو تكلفة تتحملها الدولة والمجتمعات لمعالجة آثار الضرر.
الأثر الاجتماعي: العدالة البيئية وحماية جودة الحياة
ويمتد أثر الدراسة اجتماعياً إلى اعتبار البيئة جزءاً من الحقوق والمصالح التي تمس حياة الأفراد والمجتمعات بصورة مباشرة؛ فالتلوث، وتدهور الموارد المائية، والإضرار بالغابات، وإدارة المخلفات، وغيرها من الأفعال ذات الأثر البيئي، يمكن أن تنعكس على جودة الحياة والصحة والموارد المشتركة وحقوق المجتمعات المحلية.
من الرقم إلى المعرفة
تبرز القيمة الأساسية للدراسة، بكونها لا تتعامل مع الأرقام باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما تستخدمها لفهم كيف تعمل العدالة البيئية في الواقع: أين تتركز القضايا، وما النصوص التي تحضر في الأحكام، وكيف يجري تكييف الوقائع، وما الجزاءات التي تصدر، وما الذي يمكن أن تعنيه هذه النتائج بالنسبة لحماية الموارد والاقتصاد والمجتمع.
وتأتي الدراسة، بهذا المعنى، بوصفها دراسة بحثية تحليلية نابعة من رؤية المركز الوطني للعدالة البيئية، تسعى إلى بناء معرفة قانونية بيئية تراكمية في الأردن؛ معرفة يكون فيها الحكم القضائي مصدراً للبيانات، والبيانات أساساً للتحليل، والتحليل مدخلاً لتطوير التشريع والممارسة وتعزيز حماية الحقوق والموارد البيئية.
ولا تقدم الدراسة حكماً نهائياً على منظومة العدالة البيئية، وإنما تقدم قراءة موثقة لواقع قضائي محدد خلال خمس سنوات؛ قراءة تنتقل من الرقم إلى النمط، ومن النمط إلى الدلالة، ومن الدلالة إلى فهم الأثر القانوني والاقتصادي والاجتماعي للعدالة البيئية، بما يفتح المجال أمام تطوير البحث القانوني، وتعزيز استخدام البيانات القضائية في صنع السياسات واتخاذ القرار ، وبناء مقاربات أكثر ارتباطاً بالواقع في حماية البيئة وحقوق الأفراد والمجتمعات





























